وجوهٌ سمر في الغالب لم تزل تحمل بقايا خوف أمتد لأكثر من أربع سنوات قاسية، بسب تهديدات المتطرفين لكن وفي غرفة ملحقة بمبنى السينما والمسرح المكون من غرفتين، وحينما يهدر إيقاع الفنان سعدي اليابس، تشعر أن أجساد راقصي الفرقة الفنية للفنون الشعبية لم تفقد براعتها ولم تزل تلك الأجساد تؤدي الرقص كما تؤدى الطقوس.
يقول مدير السينما والمسرح والمسؤول عن الفرقة في البصرة جاسم حمادي "تأسست الفرقة في سبعينيات القرن الماضي وكان عدد كادرها أكثر من 200 عنصر ولكن بسبب الظروف الأمنية التي مرت بها المدينة لم يتبق أكثر من 20 منهم قبل خطة صولة الفرسان".
ويضيف "لكن بعد خطة، صولة الفرسان، وتمكن القوات العراقية من السيطرة على الوضع الأمني، بدأ العديد من كوادرنا المتسربين خوفا بالرجوع إلى الفرقة، ويبلغ عددهم حاليا، 70 راقصا وموسيقيا وفنيا".
وفرقة البصرة للفنون الشعبية تقدم الفلكور البصري الخالص المرتبط إلى حد كبير، بالرقصات الدينية القادمة من أفريقيا كـ"الزيران" و"النوبان" و"الهيوة" و"الجكانكا" لأن غالبية الراقصين ينحدرون من أصول أفريقية، بحسب مدرب الرقص في الفرقة جبار عبود الذي يقول إن "ما تقدمه الفرقة هو لوحات فلكلورية بعيدة كل البعد عن الرقص الحسي الفاحش، بل أن غالبية اللوحات هي امتداد لطقوس دينية أفريقية حافظ عليها أهلنا مئات السنين".
ويستدرك عبود "لكننا كنا هدفا للمتطرفين خلال الأربع سنوات الماضية، وكادت الفرقة أن تغرق في لجة النسيان، لولا جهودي وجهود بعض الأخوة الآخرين، إذ مرت بنا فترات عصيبة جداً كنت خلالها أقوم بتدريب الفرقة في بيتي".
ويضيف "بتحسن الوضع الأمني في البصرة تنفسنا الصعداء لكن هناك الكثير من المخاوف تساورنا من عودة المتطرفين".
رئيس شعبة الفنون الشعبية في الفرقة وعازف الإيقاع العالمي سعدي اليابس الذي عزف في قاعة للأمم المتحدة في ثمانينات القرن الماضي بحضور الأمين العام للأمم المتحدة "كورت فالديهام"، حيث طلب تمديد وصلته الفنية من ثلاث دقائق إلى ست دقائق بعد أن نال أعجاب الحاضرين، يقول "تأسست الفرقة في العام 1976 على يد مجموعة من المدربين، بينهم الروسي أناتولي والراحل طالب جبار وقصي البصري ونور الدين جاسم وريتا جون. وقدمت عروضاً مهمة على مسارح عراقية وعربية وأجنبية. وتحتفظ مؤسسة السينما والمسرح في أرشيفها بأكثر من 70 لوحة خلدت الفن الشعبي في المدينة".
ويضيف اليابس "زرت مع الفرقة أكثر ن 70 دولة، وحضرنا عشرات المهرجانات، خارج العراق حيث حصدنا خلالها جوائز أهمها جائزة الأسد الذهبي في ايطاليا".
ويستذكر اليابس "للفرقة تأريخ حافل بالانجازات الفنية وأمتد عصرها الذهبي لأكثر من 20 عاما، لكن بعد انهيار النظام السابق وبسبب تحكم بعض الجهات المتطرفة في البصرة بدأت الفرقة تتوارى عن الأنظار بسبب التهديدات والخوف من بطش المسلحين المتطرفين، فهاجر الكثير من أعضائها إلى دول الجوار، وتوارى الجزء الآخر في بيوتهم ولم يتبق إلا عدد قليل منهم مارسوا رغم كل شيء حبهم للرقص والموسيقى".
ويطالب اليابس الحكومة ووزارة الثقافة تحديداً بالاهتمام بهذه الفرقة، لأنها وعبر عقود من الزمان كانت سفيراً مهماً للفن الشعبي العراقي على حد قوله.
ويتمنى أن تكون الأيام القادمة تأريخاً جديداً للفرقة بعد سنوات من السبات الإجباري. زهور حسين أقدم راقصات الفرقة وأكثرهن شهرة، والتي لم تزل غارقة في سواد ملابسها وحجابها تقول بعد أن أطمئنت قليلا وغالبت خوفها "لا أشعر بأمان كاف، ولم أزل أرتدي الأسود والحجاب وأتلفت حولي في مجيئي إلى الفرقة والعودة منها".
وتضيف "كانت أربع سنوات رهيبة وكل يوم من أيامي كان تقويماً للموت لأني كنت معروفة من الجميع وقام المسلحون بتصفية من هن أقل مني شهرة".
وتشير حسين إلى أنها كانت تخرج قليلا وللأمور الضرورية فقط وتغير من هيئتها وتسلك طرقا مختلفة حفاظا على حياتها.
وتتمنى أن تزيح الأيام القادمة بعض هذا الخوف الذي سكن روحها طوال السنوات الماضية.
-
يرجى التعليق على هذه المقالة كي نستفيد من رأيك في تحسين هذا الموقع
- سياسة موطني بشأن التعليقات





