بالرغم من مرور 14 قرنا على البناء الأول للمسجد الجامع الذي، يقع على بعد 30 كم غرب البصرة، وبالرغم من التجديد الذي جرى عليه، قبل نحو خمس سنوات، لكن من يتأمل هذا المكان، عن قرب، يرى نفسه محاطاً بالماضي ومسوراً بالتاريخ. وحين تحدق بالصوانات المرمية على بعد عشرات الأمتار من البناء الجديد، والتي كانت تستند عليها أعمدة الجامع، تشعر أنك تدخل رحاب القرن الأول الهجري.
يقول مدير الوقف الشيعي في البصرة الشيخ محمد المطوري إن "هذا أول مسجد في البصرة، وثالث مسجد في الإسلام، بناه عتبة بن غزوان، بعد تمصير البصرة سنة 14 هجرية، من القصب والبردي، وأعيد بنائه في ولاية أبى موسى الأشعري سنة 16 هجرية، باللِّبن، مع بيوت البصرة، بعد أن تعرضت لحريق كبير".
ويضيف أن "الجامع هدم سنة 45 هجرية، وتم بناؤه مجدداً بالجص والآجر وعمل سقفه من الصاج سنة 160 هجرية، في عهد هارون الرشيد، وبعد أن أصبح لا يتسع للمصلين، حيث كان يصلي فيه أكثر من 20000 مصلٍ، هدمت دار الأمارة وألحقت بالجامع".
ويشير المطوري إلى أن "دار الأمارة كانت تقع بجوار المسجد، فضلاً عن كل الدواوين المتعلقة بالحكومة وقتئذ، وكذلك الأسواق وأبرز معالم المدينة".
ويتابع مدير الوقف الشيعي في البصرة "وأصبح للجامع، في زمن ازدهاره 18 باباً و14 ألف مربط لدواب المصلين، وكانت تقام فيه أكثر من 900 حلقة دراسية، درس فيها الكثير من الصحابة والتابعين".
ويوضح المطوري "ولدت في جنبات هذا الجامع اغلب المدارس والمذاهب الإسلامية كالمعتزلة والأشعرية والمتصوفة، وتخرج علماء كبار في التفسير والفقه والنحو والصرف وعلم الكلام والتأريخ والسير واللغة والأدب، وأول حلقة بدأت، في الجامع، هي حلقة جعفر بن أبى الحسن، وأشهرها حلقات أبي الأسود الدؤولي وأنس ابن مالك الأنصاري وعمران ابن الحصين وعمر ابن عبيد وواصل ابن عطاء المعتزلي والحسن البصري وابن سييرين وأبو عبيده معمر ابن المثنى والخليل ابن احمد الفراهيدي وسيبوبه والمازني والمبرد والجاحظ، وغيرهم".
ويستطرد مدير الوقف الشيعي في البصرة أن "بناء سياج الجامع أعيد سنة 1997 ميلادية بتبرعات من البصريين، وبعد انهيار النظام السابق أعيد بناؤه بالكامل من قبل الوقف الشيعي بناءاً جميلاً وحديثاً، ولم يتبق من آثاره القديمة سوى أربعة قواعد من الصوان كانت ترتكز عليها بعض أعمدة الجامع".
من جهته يقول الباحث الزبيري ثامر العساف "حافظ هذا الجامع الذي هو أول مسجد في البصرة وثالث مسجد في الإسلام على اسمه، المسجد الجامع، حتى القرن السابع الهجري حيث ذكره الرحالة ابن بطوطة باسم جامع سيدنا الأمام علي".
ويضيف العساف "أما الآن فيسمى بخطوة الأمام علي لأن الإمام علي أبرز الشخصيات الإسلامية التي مرت بهذا الجامع، بل مكث فيه هو وأولاده الإمامان الحسن والحسين وولده محمد ابن الحنفية في معركة الجمل، التي وقعت قريبا من هذا الجامع، عام 36 هجرية".
ويوضح الباحث "لم يتبق من الجامع القديم سوى قواعد الصوان والمنارة القديمة المائلة التي تجري فيها أعمال الترميم، في هذه الأيام، والتي تذكر من ينظر إليها بخطبة الأمام في أهل البصرة، "كأنني في مدينتكم هذه لا يرى منها إلا شرفات جامعها كجؤجؤ السفينة في لجة البحر"، وهذه الخطبة من الخطب المشهورة في أهل البصرة، وردت في كتاب نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
ويتابع العساف أن "الكثير من البصريين يقومون بزيارة هذا المكان في المناسبات المختلفة، وخصوصا الدينية منها، وتنامت هذه الظاهرة بشكل كبير بعد انهيار النظام السابق، وخصوصا في ذكرى وفاة النبي ووفاة الإمام علي وأربعينية الإمام الحسين".
ويذكر العساف أن "هذا الجامع شهد فترات مهمة في التاريخ الإسلامي سياسياً وفكرياً وعسكرياً، وبسبب وجوده والحلقات الدراسية التي كانت تعقد فيه والمدارس الفكرية والكلامية والنحوية والأدبية سميت البصرة بخزانة الإسلام".
ويلفت الباحث الزبيري إلى أن هذا الجامع شهد أيضا أحداثاً دموية لعل أبرزها حين تولي الحجاج ولاية البصرة، في العصر الأموي، والذي أعلن عنها في خطبته المشهورة، "أرى رؤوسا قد اينعت فحان قطافها"، التي أعقبتها حمامات من الدم.
المنطقة القريبة من الجامع كانت تسمى وادي السباع، ويقع على بعد نحو 200 متر من الجامع ضريح الصحابي طلحة ابن عبيدالله الذي هدم عام 2007 ميلادية على أيدي مجهولين، وعلى مسافة لا تعدو مد البصر يقع مرقد الصحابي الزبير ابن العوام الذي قتل على يد أبن جرموز بعد أن انتهت معركة الجمل وهو في طريقه إلى المدينة.
-
يرجى التعليق على هذه المقالة كي نستفيد من رأيك في تحسين هذا الموقع
- سياسة موطني بشأن التعليقات





