لا تستطيع ان تصف العيد في العراق دون أن تصف الصبية وهم يقضون الليل منشغلين بترتيب ملابس العيد الجديدة حلماً بإرتدائه والحصول على (العيدية).
يبتدأ العيد في العراق بعد صلاة العيد، حين يتبادل الناس التهاني فيما بينهم ويقوم وجهاء المنطقة بتفقد البيوت بيتاً بيتاً والجلوس لدقائق معدودة في كل بيت من بيوت الجيران (هكذا يقول سعد عبد الرحمن) أحد سكان منطقة بغداد الجديدة الشعبية.
ويضيف: "عندما يدخلون تقدم لهم (الكليجة)، ويقدم معها الشاي او العصير".
تحول صنع الكليجة إلى نوع من الإحتفال العائلي، حيث تتجمع نساء العائلة وأطفالها على شكل حلقات حول صينية الكليجة لصناعتها وكأنها تتوارث المهنة مثلما تتوارث العادات.
وحول كيفية صناعة الكليجة تحدثنا ام احمد: "نهيء اول شئ صينية الكليجة التي تصَفُ بها قطع الكليجة، ومن ثم عِدة صناعة الكليجة من طحين أبيض وسمن وسمسم وجوز الهند المطحون وتمر وخميرة وحليب".
وتتابع "تبدأ النساء كلاً أمام صينيتها بتقطيع العجين ووضع الحشو بداخلها والذي عادة ما يكون قطع صغيرة من التمر او(اللب غراش) او السمسم، ومن ثم تصف في صينية كبيرة مدهونة بالسمن لمنع إلتصاق القطع بها أثناء شوائها".
وتقول ام احمد:"نرسل (الصواني) إلى فرن حجري قريب لشواء الكليجة، لكننا الآن وفي بعض الأحياء نشويها في البيت في فرن صغير، ما يفقد الإحتفال بصنع الكليجة شعبيته".
وفي العيد يأتي (المسحراتي)، ليأخذ العيدية من البيوت التي تسحرت بفضل دقه على الطبل او ربما في أحيان على علبة من الصفيح في ليالي رمضان، ويقول العلامة الراحل جلال الحنفي: "يسمي البغداديون صاحب هذه المهنة (ابو طبيلة)" ويرافقه مجموعة من أطفال المحلة يشهدون إنه الطبال الذي يأتي كل ليلة في رمضان وانه يستحق (العيدية)".
ومن طقوس العيد الجميلة الصلح بين الناس، يذكر لنا سيد صالح عبد الزهرة، والذي يُعرف بيشماغه الأسود، ان العيد فرصة رائعة للمصالحة بين المتخاصمين وتنقية النفوس، حيث قال: "منذ إنتهاء صلاة العيد وحتى الآن صالحنا أربع زلم" و(الزلم) تسمية عراقية للرجال.
ويضيف عندما ندور على الناس لمعايدتهم ونعرف ان صاحب هذه الدار له خلاف مع جاره فلا يمكن ان نتجاوزه، بل ندخل على داره ونشرب من مائه وناكل من طعامه ولا نخرج من داره إلا بعد مصالحته مع خصمه، وكنا نؤجل قضايا الصلح إلى مثل هذه المناسبة، وبالطبع تكون من مسؤولية شيوخ العشيرة او الوجهاء والسادة الأشراف، مضينا بعيداً عن سيد صالح ولم أعرف العلاقة بين إسمه وهوايته في مصالحة الناس.
وٍفي البيت تحظر العائلة العراقية وجبة غداء دسمة يدعى لها المقربون والجيران ويوزع منها ما يسمونه (طعمة) وعادة ما تكون الوجبة سمك مسكوف او خروف مذبوح او دجاج، كما تطبخ العائلة العراقية الدولمة او القلية او الكبة وهي اكلات موصلية.
اما الفتيات العراقيات فيجدن في العيد متعة شراء ملابس العيد، تقول غصون حسن وهي طالبة: "تختلف ملابس العيد، ان لها شكل ثاني على الرغم من انه لا يصادف ان نرتديها في العيد ولكني يجب ان اشتري ملابس في العيد فأقول هذه ثياب العيد".
ويرى ياس السعيدي القروي القادم من الناصرية، انه يجد في رائحة القهوة والحطب المحترق اللتين ما زال يشمهما في شوارع بغداد وازقتها طعم لعيد طفولته في الريف العراقي.
وتشهد الأسواق العراقية زحاماً شديداً لشراء ملابس العيد والحلويات العراقية إستعداداً لإستقبال الضيوف.
ومن العراقيين من يفضلون الجلوس امام التلفزيون، بخاصة بعد ان حصلوا على اجهزة الستلايت التي تتيح لهم رؤية جميع القنوات والمحطات الفضائية دون قيود، حيث كانت هذه الخدمة من ممنوعات النظام البائد، ومثلما يكون الهلال بياناً للعيد يكون التلفزيون تأكيداً لذلك ويعتبر بعض العراقيين ان ظهور ام كلثوم وهي تشدو (الليلة عيد) حسماً بأن غداً هو اول ايام العيد المبارك.
يقول ضياء عبد المنعم وهو موظف في وزارة النفط: "لا أجد متعة في العيد غير مشاهدة برامج العيد المنوعة" غير انه يستدرك فيقول: "ولكن علي ان اخرج مع اطفالي إلى مدينة العاب بسيطة في حينا بعد ان اغلقت المرافق السياحية المعروفة في بغداد" ويتابع: "علي ان افرح لفرحهم".
شاهدنا في رحلتنا مع ضياء عبد المنعم وطفليه شداد وفرح، مجموعة من الصبية يركبون عربة يجرها حصان كانت قبل ايام تستخدم في نقل البضائع في سوق الشورجة القديمة، ويصفق الصبية وهم في غاية السعادة وفي ساحة ترابية مقابلة للشارع الذي تجوبه العربة دولاب هواء بدائي الصنع ولا تتوفر فيه أدنى شروط الامان وقد إعتلاه اطفال يصفقون والفرح يعلو شفاههم، إنها الحياة البسيطة التي يحلمون بها.
فيما يقول عبد المنعم "كنت اتمنى هذا العام ان اخذ اطفالي الى (جزيرة بغداد)، فهي جميلة جداً ونحتفظ نحن الكبار بذكريات لنا فيها، لكنني إكتفيت بإصطحابهم إلى مدينة العاب صغيرة في حينا، صغيرة نعم ولكنها بالتأكيد جميلة بحجم أحلامهم.
لكن العراقيين إستمروا بإنتظار العيد لتنطلق مواكب الزفاف معلنة أعراساً مؤجلة لترسخ دوماً إحتفالها، وهذا ما شاهدته وانا اشق طريقي صوب كرادة مريم، حيث توقفت ثلاث مرات وراء سيارات سدت الشارع وقد نزل منها رجال ونساء وهم يرقصون، فيما ترفرف حجية بعبائتها عالياً إبتهاجها بزفاف ابنها اول ايام العيد.
-
يرجى التعليق على هذه المقالة كي نستفيد من رأيك في تحسين هذا الموقع
- سياسة موطني بشأن التعليقات





