إن اليوم أفضل من البارحة، فالبارحة لم يكن باستطاعتنا التنفس، ولو تنفسنا فكان تنفسنا بحذر شديد، أما اليوم فنحن في أكثر الأحيان نتنفس بقوة ونعلن عن تنفسنا أمام الجميع صغيراً كان أم كبيراً لا يهمنا في تنفسنا أن كان يعجب فلان أو علان. صحيح أن الكثيرين يتنفسون بحذر ولكنهم متفائلون، فالتنفس بحرية صفة إفتقدها الكثيرين هنا في العراق ولعقود طوال. نحن أبناء اليوم نواجه شراسة أبناء البارحة، فأبناء البارحة مذهولون من صبرنا على كيدهم وحقدهم، يتخبطون في محاولاتهم اليائسة في النيل من تنفسنا، كانوا يتلذذون في كتم أنفاسنا وهم يتنفسون تنفساً فاسداً جعل العالم ينتبه لهم ويهتم لأمرنا، نحن أبناء اليوم ممنونون كل الامتنان للعالم الحر، لكننا لازلنا نعاني من جذور أبناء البارحة، فجذورهم عميقة ومتشابكة يعانون من الكآبة والإحباط فيعبرون عنها بغضب شديد يطال أطفالنا ونسائنا وشبابنا، مندسون في أغطية وألبسة اليوم ولكنهم يعبرون بأفعالهم وسلوكهم عن إنهم أبناء البارحة، يقاتلون الفرحة والبسمة والسعادة المرجوة.
فلقد صبرنا كثيرا وعانينا كثيرا وبعد هذه العقود بدأنا من جديد ننظر بعين التفاؤل والحب لكل من وقف إلى جانبنا وما يزال يمد يد العون، قررنا أن لا ننظر إلى الوراء، قررنا أن نتعاون مع الخير ضد الشر، فبرغم كل المفخخات التي يضعها أبناء البارحة في طريقنا وبرغم كل الإلتفافات والإختراقات والفجوات، فنحن نمتلك الأمل ونعرف الأهداف.
أهدافنا مشروعة جداً، فنحن نريد أن نعيش كما يعيش الآخرون بسلام نريد لأطفالنا أن يتعلموا ويسكنوا ويأكلوا ويلبسوا ونريد لهم أن يمارسوا هواياتهم الرياضية والفنية، وأن يخرجوا في سفراتهم المدرسية بسلام وأمان، نريد أن نضمن لشيوخنا وعجائزنا المعيشة التي تليق بهم ليباركنا الله في وفائنا لهم، ولنرد لهم جزء من تضحياتهم وأن نهيأ لشبابنا وشاباتنا الظروف المناسبة ليتفاهموا على بناء أُسر ضمن بيئة سعيدة وهانئة وأن ترتسم البسمة على وجوه الجميع.
نحن أبناء اليوم نريد أن تعود معارض الفنون التشكيلية ويكرم الفنانون المبدعون الذين يعبرون عن أمنياتنا ويرسمون بلوحاتهم وينحتون تطلعاتنا على الصخور لتغازل أمجاد الأجداد وما قدموه للعالم من حضارة. فالننظر إلى ما فعله أجدادنا على ما نالوه من سعادة في حياتهم كونهم تصدروا الآفاق في القوانين والعلوم والآداب والفنون والسلوك القويم، أليس من حقنا أن نأخذ فرصتنا بعد طول إنتظار؟ أليس من حقنا أن نبني مجداً إنسانياً يليق بأصالتنا وفخامة تراثنا؟
نحن أبناء اليوم نريد عودة الفرق الموسيقية وبناء وإفتتاح مدارس الموسيقى والباليه وإنشاء فرق رياضية تنافسية للشباب لكرة القدم والسباحة ولألعاب القوى والتنس والرماية والفروسية. نريد قاعات للتزلج، نريد مدارس للمتفوقين، نريد لجان من الباحثين عن العباقرة والمتفوقين في مختلف المجالات العلمية والأدبية، نريد نخبة من المستشارين والخبراء ليعيدوا النظر في صيغة التعامل مع المستجدات والمتغيرات العالمية وأن يضعوا الحلول للمشكلات بالصيغ العلمية المتطورة، نريد من يعتمد على الكفاءات العالية وتحديد الآولويات، والإبتعاد عن نفس أبناء البارحة في ردود الفعل المتعصبة المبنية على الأوهام والمعتقدات البالية وقرارتهم تحت شعارات وعناوين مبهمة وغير واضحة المقاصد من شأنها أن تثير زوبعة من المتناقضات وتكون نتائجها ضياع المنطق والتخبط في المجهول.
أنا هنا لا ادعي خيانة أبناء البارحة ولكني أكاد اجزم بفشلهم، ونحن لا نريد الفشل بل نريد النجاح. نحن ننظر بإحترام إلى تجارب الآخرين ونجاحاتهم ونمد أيدينا من اجل التعاون الإنساني في محاولة جادة وواعية لتغيير منظورنا من اجل أن تكون الصورة واضحة وواقعية. فعلينا تقع مسؤولية الأجيال القادمة بالإضافة إلى مسؤولية هذا الجيل المظلوم والمكتوم والمكبوت.
أليس من حقنا نحن الأفراد البسطاء الطامحين للتنفس بنقاء، أليس من حقنا أن نقرر ما نريد من هذه الحياة؟ بكل بساطة نحن نبحث عن السعادة والرفاهية ونعلم جيدا أن أبناء البارحة يستأثرون بها لأنفسهم دون مشاركة الآخرين، يحسبون أنفسهم مميزين علينا، نحن ننظر لأنفسنا كما ننظر للآخرين، ونحترم أنفسنا كما نحترم الآخرين، ونعلم أن للآخرين آرائهم ومعتقداتهم وشأنهم، كما نحن نتمسك بآرائنا ومعتقداتنا.
فالغد لنا ان شاء الله بجهودنا وعملنا وتفتحنا مستنيرين بحضارتنا غير متكئين عليها، ندعمها بالعمل المتقن والدؤوب والمخلص مستفيدين من تجارب العالم الحر في تخطيط مسارنا نحو الحرية والكرامة كأساس للرفاهية والسعادة المبنية على إحترام الذات وإحترام خصوصيات الآخرين، نريد للأبناء أن يتعلموا الحب والتعاون والمشاركة والتنافس الشريف وإحترام العلم والسعي له، إحترام كل ما يدخل ضمن مكونات يومياتنا وسلوكياتنا، على أن تكون الأمانة والثقة من أهم سماتهم لكي يكون الطريق واضحاً محاطاً بإزهار الياسمين والأشجار المثمرة بجهدنا نحن أبناء اليوم.
-
يرجى التعليق على هذه المقالة كي نستفيد من رأيك في تحسين هذا الموقع
- سياسة موطني بشأن التعليقات





