لماذا يريدون لنا الإغتراب ولبلادنا الإنقسام؟
قبل اسابيع من مغادرتي بلدي الى الإغتراب ارسل لي احد الاصدقاء رسالة الكترونية كانت عبارة عن اسطر خطتها يد انسانة عراقية اصيلة كل ما اعرفه عنها اسمها والآمها التى تعتصر قلب كل عراقى مغترب، اثارت في تلك الرسالة الآماً وشجونا لايمكن سطرها هنا، كنت دوماً اتسائل، كيف يستطيع اي انسان العيش بعيدا عن بلده مذُ كنت صغيرا ولم اتصور ان بلدي الذي احببته اكثر من نفسيَ سيدفعني الى الإغتراب عنه. انا كردية من كردستان وليس فى بيتي اية نخلة لكن فيَ حنينُ الى النخلة، التي تحدثت عنها د. مي أحمد في رسالتها، اكثر من حنين السياب، لم أعرف يوماً بلداً غيرَ العراق ولم أعتبر يوماً ان سفيناً وكورك وهلكورد ليست جبالا من العراق، ولم استثنيَ نفسي يوماً من احفاد المنصور كما من احفاد كاوه. لا اعرف لماذا علينا كعراقيين ان نتجرع كل تلك الآلام والمحن .. لماذا نحن .. لماذا العراق ؟
أنا كعراقية أولاً وكردية ثانياً لست مع تقسيم العراق، كم احزنُ عندما ينادون بتقسيم العراق كأنهم بذلك يقسمون اجسادنا اوصالاً ويلغون دماً كان في الأصل يسمى دم العراق. لماذا لا نعمل معاً جميعاً على استرجاع العراق الذي الفناه يحتضننا كرداً وعرباً، شيعةً وسنة وتركماناً، كلدانا واشوراً ولم نكن نتصور أن يكون هناك عراق بغير هذه التركيبة. فيا بلدي اعدك بأنني سأعود اليك وامتع نفسي بمناظر جبالك و دفء رمالك وازور كل شبر فيك من شمالك الى جنوبك وابلغ الجميع اني زرت وطني وطن الأبطال .. العراق.
(استميح الدكتورة مي في عرض رسالتها التي اثرت في مشاعراً عميقة .. أردت أن اوصل هذه الرسالة لكل من في العراق ولكل من يظن اننا في الغربة ننسى بلدنا ... العراق).
رسالة الى بيتي في بغداد
د.مـي أحمد
بيتي الحبيب
اليوم اتممت عشرة أعوام منذ غادرتك، ومن يومها لم أعرف الاستقرار الى الآن.
بنيتك قبل ستة وعشرين عاما حسب ذوقي ورغبتي من حُر مالي الذي كسبته من عملي.
وكنت أظن تابوتي يوم موتي سيخرج منك.
زرعت في حديقتك الخلفية سدرة وزيتونتين وإخترت لهذه الحديقة طراز الحدائق الصحراوية.
أما حديقتك الامامية فقد كانت قبلة للناظرين توسطتها رمانتي الحبيبة التي كانت تجود برمان وردي أطعم وأشهى من العسل.
وحين رُزقت بإبني الوحيد، زرعت له في ركن هذه الحديقة فسيلة نخلة "برحية" وقلت له: عندما تكبر علق لأولادك مرجيحة على هذه النخلة وقل لهم إن جدتهم قد زرعت لك هذه النخلة يوم مولدك.
حين وقعت الحرب تكسرت أجزاء كبيرة منك بفعل القصف اليومي المكثف الذي تعرضت له محلتنا، لكني اصلحت كل ذلك بمجرد وقف العمليات العسكرية.
داخلك، بيتي الحبيب التقيت أهلي وأحبتي وأصدقائي ولم تزل حكاياتنا عطرة ندية في ذاكرتي.
وخزنت فيك بغرفة المكتبة في الطابق الاعلى ما يزيد على ألفي كتاب، وفي هذه الغرفة كتبت أطروحتي للدكتوراه، يا الله كم كنت سعيدة وفخورة بنفسي في تلك الايام.
فجأة تذكرت القيادة الفذة أن واحداً من أهلي مقيم بالخارج، صار معارضاً لها، فتم إستدعائي الى استعلامات القصر الجمهوري من أجل إجباري للعمل ضد هذا الواحد من اهلي.
وخلال عشرة أيام كنت اشتريت جواز سفر وحملت ابني وغادرنا الى الاردن، في عمان شعرت بألم في معدتي وتقيأت دما.
كل شيء حدث بسرعة مرعبة، وصار عندي يقين انني لن أرى العراق مرة أخرى.
حصلت على عدة عقود عمل من جامعات عربية انتهت كلها قبل سقوط الصنم، لذلك فكرت في الهجرة، فجئت الى هذا البلد الذي أحمل جنسيته الان، ولكن بقي داخلي عراقي ودمي عراقي وسمرة وجهي وحتى لون عيني عراقي، فهل من بعد كونك عراقي سيعجبك أن تكون أي شيء آخر؟
بيتي الحبيب
منذ الصباح الباكر أغني لك مع كاظم (مشتاق ومضنيني الفراق مشتاق) وخنقتني العبرة عدة مرات حين يصل الى القول (هجرني من هجرتوني دفا بيتي، وانا بليل الشتا موعود). وانت تعرف عندما يكون الانسان في هكذا حالات اشتياق فانه يكون مستعدا لإجتراع الأعاجيب.
قررت أنني يجب ان اراك اليوم وبأي شكل أو صورة، قمت بتحميل برنامج (جوجل ايرث) على الكومبيوتر. وفتحته ثم ذهبت الى بغداد، وصرت ابحلق في شاشة الكومبيوتر حائرة الروح، كأني في طائرة أسابق نفسي للنزول في المطار وأنا لا ادري أي من أحبتي سيكون بانتظاري، يا ربي كيف سأجد بيتي وسط هذه الزحمة والإتساع !!!
عبرت دجلة من الرصافة الى الكرخ وانا الآن في ساحة المتحف، وهذه المحطة العالمية وهذا مطار المثنى، هنا معهد الفنون الجميلة، وهذا معرض بغداد، بدأت نبضات قلبي تتسارع حين رأيت برج المأمون، درت دورتين حول البرج ولم اعد أرى شيئا من خلال دمعي، ها انت حبيبي بيتي أمامي، لكنك أبعد من السماء عني.
حين أقرب صورتك تفقد وضوحها، وحين أبعدها تفقد تفاصيلها، فلم أستطع غير ملاحظة ان نخلة ابني التي كان طولها حوالي المتر حين غادرنا، صارت الآن شابة جميلة تصل سعفاتها الى بلكونة البيت .... أين انت يا "البرحية" ؟ ابني الآن صار ينسى الكثير من كلماته العربية ويجد من الأسهل عليه التكلم بالانكليزية، ولست أدري مرجيحة أي أحفاد ستحملين اذا لم يكونوا أحفادي ؟!
ذهبت الى موقع لحساب المسافات على الارض، فوجدت بغداد تبعد عني 154 ألف كيلو متر، هل هذا معقول يا ربي !!!!!!
بيتي الحبيب
ماذا أفعل أمام كل هذا ؟ عدت اليك على موقع جوجل، وضعت عليك إشارة تمكنني من الوصول اليك في كل مرة دون بحث.
وصرت أردد أبيات من شعر ابن زريق البغدادي:
أستودع الله في بغداد لي قمراً بالكرخ من فلك الازرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعنــي صفو الحــياة وإني لا أودعه
تشبث بي يوم الرحيل ضحــى وأدمعي مستهلات وأدمعه
إني أوسع عذري في جنايته بالبين عنه وجرحي لا يوسعه
بيتي الحبيب، سأزورك كل يوم على موقع جوجل، وهذا كل ما بقي لي منك أدامك الله لمحبتنا
مــي
2006 _ 8 _ 11
-
يرجى التعليق على هذه المقالة كي نستفيد من رأيك في تحسين هذا الموقع
- سياسة موطني بشأن التعليقات





